في كثير من الشركات العربية يمر كل قرار تقريبًا على مكتب صاحب الشركة أو المدير العام: خصم لعميل، شراء جهاز، تعيين موظف في قسم صغير. في البداية يبدو هذا حرصًا على الجودة، لكن مع نمو الشركة يتحول المدير نفسه إلى عنق الزجاجة: تتأخر القرارات، ويتعلم الفريق أن ينتظر بدل أن يفكر، ويقضي المدير يومه في تفاصيل كان يجب أن تُحسم دون الرجوع إليه.
المشكلة ليست في رغبة المدير في السيطرة فقط، بل في غياب معيار واضح يحدد: ما الذي يُفوَّض؟ ولمن؟ وبأي حدود؟ هذا المقال يقدّم إطارًا بسيطًا من أربعة أسئلة يمكنك تطبيقه على أي قرار.
السؤال الأول: ما حجم الأثر المالي؟
كل قرار له أثر مالي مباشر أو غير مباشر. حدّد سقفًا ماليًا لكل مستوى إداري: ما دون السقف يُحسم في المستوى نفسه، وما فوقه يُرفع. السقف ليس رقمًا ثابتًا لكل الشركات، بل يرتبط بحجم الإيراد وهامش الربح وقدرة الشركة على امتصاص الخطأ. المهم أن يكون مكتوبًا ومعروفًا، لا تقديرًا يتغير حسب مزاج اليوم.
السؤال الثاني: هل يمكن التراجع عن القرار؟
القرارات نوعان: باب يُفتح في الاتجاهين، وباب يُغلق خلفك. تغيير مورد للقرطاسية أو تجربة إعلان جديد قرارات يمكن التراجع عنها بتكلفة محدودة، فهي مرشحة للتفويض. أما توقيع عقد إيجار طويل، أو إنهاء خدمة موظف رئيسي، أو الدخول في شراكة، فهي قرارات يصعب التراجع عنها، وتحتاج إلى مستوى أعلى من المراجعة.
السؤال الثالث: كم إدارة يمس القرار؟
القرار الذي يخص إدارة واحدة يُحسم غالبًا داخلها. أما القرار الذي يغيّر طريقة عمل أكثر من إدارة، مثل تعديل سياسة التسعير التي تمس المبيعات والمالية والتشغيل، فيحتاج إلى تنسيق أعلى، لأن مدير الإدارة الواحدة لا يرى الصورة كاملة.
السؤال الرابع: أين توجد المعلومة؟
أفضل قرار هو الذي يُتخذ في أقرب نقطة إلى المعلومة. مشرف الوردية يعرف أسباب تأخر الإنتاج أكثر من المدير العام، ومسؤول الحساب يعرف احتياج العميل أكثر من مدير المبيعات. إذا كانت المعلومة عند الفريق، فاحتفاظك بالقرار يعني أنك ستقرر بمعلومة ناقصة.
كيف تجمع الأسئلة الأربعة في مصفوفة؟
ضع القرارات المتكررة في شركتك في جدول، وأجب عن الأسئلة الأربعة لكل قرار، ثم صنّفه في أحد ثلاثة مستويات:
- يُفوَّض بالكامل: أثر مالي محدود، قابل للتراجع، يخص إدارة واحدة، والمعلومة عند الفريق.
- يُفوَّض مع إبلاغ: يحسمه المسؤول ثم يُبلغ الإدارة الأعلى خلال مدة محددة.
- يُرفع للإدارة العليا: أثر مالي كبير، أو صعب التراجع، أو يمس عدة إدارات.
أداة التطبيق: مصفوفة التفويض في ساعة واحدة
- اكتب أكثر عشرين قرارًا تكرارًا وصلت إلى مكتبك خلال الشهر الماضي.
- أجب عن الأسئلة الأربعة لكل قرار بنعم أو لا.
- صنّف كل قرار في أحد المستويات الثلاثة، وحدد اسم المسؤول عنه.
- اعتمد المصفوفة واعرضها على الفريق، وراجعها بعد ثلاثة أشهر.
التفويض لا يعني الغياب
التفويض الناجح يحتاج إلى ثلاثة عناصر: صلاحية واضحة، ومعلومات كافية لمن يتخذ القرار، ومتابعة منتظمة للنتائج لا للتفاصيل. والخطأ الأول الذي يقع فيه المفوَّض ليس سببًا لسحب الصلاحية، بل فرصة لتوضيح المعيار. المدير الذي يسحب الصلاحية مع أول خطأ يعلّم فريقه أن الأمان في عدم اتخاذ القرار.
ابدأ بالقرارات الصغيرة المتكررة، وستلاحظ خلال أسابيع أن وقتك عاد إلى ما يجب أن تفعله أنت فقط: الاتجاه، والأولويات، والقرارات التي لا يملكها غيرك.
